مواجهة تاريخية جمعت بين وفد قتيبة بن مسلم وامبراطور الصين فلمن كانت الغلبة

تناولنا في الموضوع السابق كيف سيطر المسلمين على بلاد الفرس ومتى غزا المسلمون الصين، تحت قيادة قتيبة بن المسلم، وكان ملك الصين قد طلب وفداً للتفاوض ولمعرفة المزيد عن الإسلام، وبالفعل وصل وفد المسلمين المكون من ثلاثمائة رجل و على رأسهم هبيرة إلى عاصمة الصين.

استعراض القوة والنفوذ بين وفد قتيبة وملك الصين

وعندما دخلوا على ملك الصين، سألهم عن سبب مجيئهم فأخبروه بأن قتيبة بن مسلم يدعوك إلى الإسلام فإن لم تفعل فالجزية فإن لم تفعل فالحرب. وقد غضب الملك وأمرهم بالمكوث في دار لمدة ثلاثة أيام. وفي اليوم الأخير بعث ملك الصين لهبيرة يهدده وأمره بأن يخبر قائده قتيبة بأن ينصرف، وقال إني قد عرفت قلة أصحابه وإلا بعثت إليكم من يهلككم. فما كان من هبيرة إلا أن رد عليه قائلا: تقول لقتيبة هذا فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون، وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرة عليها وغزاك في بلادك.

ملك الصين يلجأ للحكمة لتفادي الاصطدام بجيوش المسلمين

ويبدو أن مقولة هبيرة كان لها وقع على ملك الصين، حيث طلب من أعوانه العمل على تلبية شروط قتيبة، فأرسل بتراب من الصين لكي يطأه قتيبة ومعه أربع غلمان من أبناء الملوك ليختمهم وكذلك ذهبا وحرير. ويتضح لنا من ذلك مدى حرص ملك الصين على ألا يستفز الجيش الإسلامي بقيادة قتيبة. وأن الملك كان على معرفة جيدة بقدرات المسلمين القادمين من أقصى غرب آسيا ليدقوا بوابات أقصى شرق آسیا حاملين رسالة مقدسة للإنسانية. لقد عرف عن ملوك الصين قديما الحكمة والحنكة.

ويمكن القول هنا بأن ملك الصين استخدم حكمة بلاده المعروفة لتفادي الاصطدام بجيوش المسلمين، ولو كان ذلك على حساب كرامته وكرامة الصين. فإن مثل هذا الإذلال الذي أصاب ملك الصين يقوم مقام الفتح لهذه البلاد أو يزيد. ومما يزيد الدهشة والإعجاب في هذا الموقف، تجرؤ جماعة من المسلمين على تهديد الإمبراطورية الصينية القوية التي تعد الشرق بأسره خاصة في تلك الحقبة التاريخية. فلولا إيمان هؤلاء المسلمين وتوكلهم على الله عز وجل، لما ثبتوا أمام ذلك الملك و بلاده العظيمة. وماكان الملك ليذعن لشروطهم لولا ما رأى أمام عينيه من صلابة إيمانهم.

المسلمون يرفضون الانحناء لملك الصين

ويقول أحد المؤرخين الغربيين المعاصرين معقبا على ذلك الموقف التاريخي للرسل المسلمين أمام ملك الصين: إنه لشيء عجيب أن يرفض هؤلاء الغرباء الفخورون أداء المراسيم الحاصة بالصينيين داخل القصر الملكي و التي يطلق عليها مراسم كوتاو. إذ أعلن المسلمون حينها أنهم لا يركعون إلا الله سبحانه و تعالی، وليس لأي عبد على وجه هذه الأرض، فما كان من الملك إلا أن سمح لهم بالحديث بدون مراسم قصره المعتادة ولكن بامتعاظ. ويشير المؤرخ الغربي إلى حدث شبيه، ولكنه وقع بعد أكثر من ألف عام، عندما حضر وفد بريطاني أمام ملك الصين الذي أصر على الوفد أن ينصاع لمراسيم القصر ومنها الركوع أمام الملك، فانصاعوا لأمره وركعوا.

ويبدو واضحا بأن موقف وفد المسلمين مخلدة ليس فقط عند المسلمين ومؤرخيهم، بل يذكر ويقارن حتى بعد أكثر من ألف عام من قبل مؤرخین غیر مسلمين، ويثير مقارنة تاريخية عجيبة. إن عزة الإسلام ليس بعدها عزة، فوفد هبيرة وقف بكل شجاعة وإباء ليعبر عن رسالة واضحة لا شك فيها وهي رسالة العبودية لله وحده.

وكذلك في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان، وصلت جيوش المسلمين إلى أرض الصين ودعا ملكها إلى الإسلام. لقد كان للفتوحات الإسلامية في وسط آسيا وقع مؤثر و كبير على حكام الصين، ولابد أن هذه الفتوحات قد أثرت على تعامل هؤلاء الحكام مع المسلمين بوجه عام، ومع التجار المسلمين المقيمين في الصين و الذين يتعاملون معها.

اسلاميات

Related Posts

هل وجدت هذا مفيدا؟

انقر على نجمة للتقييم!

متوسط التقييمات / 5. عدد التقييمات: