أسباب الضوضاء والأصوات المرتفعة والتلوث السمعي ومدى تأثيرهم على الطفل والأم والمجتمع

أسباب الضوضاء والأصوات المرتفعة والتلوث السمعي ومدى تأثيرهم على الطفل والأم والمجتمع

الهون هو أول ما يستقبل الطفل الوليد، لتبدأ علاقته بالضوضاء المستمرة والصوت العالي المحيطين به من كل جانب. الضوضاء أصبحت عادة ولم تعد تلفت انتباهنا، فللاسف عندما تتكرر المأساة يوميا وفي كل لحظة تصبح أمرا طبيعيا، نفس الشيء إذا وقع نظرنا على منظر قبيح ازعجنا، لكن إذا شاهدناه مرة ثانية بقل الانزعاج تدريجيا حتى يتلاشى وتتعود العين عليه. وهكذا فقد تسللت الضوضاء تدريجيا لمجتمعاتنا حتى صارت من مفردات العصر، لا تزعج احدا او تلفت انتباه أحد لتغييرها والقضاء عليها وهنا تكمن الخطورة.

فمن المؤكد ان الصوت العالي والضوضاء تؤثر على قوة السمع على المدى البعيد، كما تؤثر على الأعصاب، وتزيد افراز هرمونات معينة بالجسم تسبب خللا في اجهزته، فيمرض من لديه استعدادا للاصابة بالقرحة او السكر وانسداد الشرايين التاجية أو ارتفاع ضغط الدم. وعلى المستوى المجتمعي نجد الضوضاء وما تسببه من توتر يؤثر على مفردات التعامل بين الناس مسببا مشاكل اجتماعية كثيرة ومشاجرات تحل محل النقاش في أحيان ليست قليلة.

الصوت العالي وتأثيره السلبي على الأطفال

أصبحنا نعاني من الصوت العالي ونتعرض له فترات طويلة، فحتى لعب الأطفال صوتها مرتفع جدا ومزعج، وهذا ينعكس على الأطفال فيجعل اعصابها متوترة، ويتسلل ضعف السمع تدريجيا إليهم، وللأسف هذه اصابة ليس لها علاج او قطع غيار لعلاج ما أفسده الدهر، وعندما يشب الطفل في جو من الضوضاء يحدث داخله فعل انعكاس غير إرادي، فنجده يرفع صوته عند الحديث وهكذا يتربى الطفل على الضوضاء، ويدور في نفس الحلقة المفرغة.

التلوث السمعي في كل مكان

إن إيقاع الحياة الاجتماعية حاليا وما يتسم به من سرعة ينعكس على سلوكياتنا، وكلما زادت السرعة في التحولات الاقتصادية والاجتماعية كلما زاد إحساس الأشخاص بالاضطراب والقلق، وينتج عن هذا عصبية زائدة تظهر من الصوت العالي المرتفع سواء في المنزل أو في العمل وحتى داخل النادي رغم انه من المفترض أن يكون مكانا للترفيه، وهو ما نلمسه بشكل واضح في مجتمعنا، فالأم والأب صوتهما عالي حتى في تربية الأبناء، والشارع يصرخ من الكلاكسات شبه المستمرة والمشاجرات اليومية بين المشاة وسائقي السيارات، ويزيد الطين بلة، اصوات الاغاني المرتفعة والمتداخلة في نفس الوقت، كل هذا ينعكس على سلوك المجتمع ونفور الأعصاب بسرعة عند التعامل مع الآخرين، وكثيرا ما يصل الأمر لحد الاشتباك بالأيدي.

وبدون شك ان هناك سلبيات للإيقاع السريع للحياة يدعمها لأساليب الاتصال الجمعي، فأحيانا يشارك التليفزيون في المأساة بعرض أفلام العنف، مما يثبت ويدعم هذه العادة السيئة، وترتبط العصبية الزائدة في نظر بعض علماء الاجتماع بتدني أساليب المعيشة، فنجد الفقراء أصواتهم مرتفعة بشكل حاد داخل المنزل وخارجه لانخفاض مستوى الدخل.

علاقة التحضر والمدنية بالضوضاء

التربية بصوت عال تخلق طفلا عصبيا، ولهذا نعاني من ازعاج اطفال الرياض هذه الأيام، وهو أحد أشكال العنف، وتحاول المؤسسات التعليمية علاجه، فبدون شك أن العنف اللفظي أو الضوضاء اللفظية مرض اجتماعي يحتاج لعلاج، ونادرا ما يتدخل الأب والأم لتربية الأبناء على السلوكيات الهادئة والصوت المنخفض، هذه هي حياة المدينة وكلما زاد التحضر والمدنية ارتفع الصوت، وزادت الضوضاء.

انعكاس الصوت الهاديء على سلوك الطفل

يؤكد الخبراء أن المعلمة ذات الصوت الهادىء، الاطفال الذين تدرس لهم يتمتعون بسلوك حسن، أما الأطفال المتسمة بالعنف والشقاوة في معلمتهم غالبا صوتها عالى وفي بدها عصاة، فبدون شك أن الصوت العالي له رد فعل سيء على الطفل، خاصة في المرحلة العمرية الأولى من حياته وأن الأم والمعلمة لهما بصماتهما الأساسية التي تعيش معه طوال العمر.

خروج المرأة للعمل وعلاقته بالضوضاء والأصوات المرتفعة

ولأننا نعيش في مجتمع لا تنفصل أجزائه فيجب النظر للصورة بأكملها، ففي ظل ظروف اجتماعية صعبة وخروج المرأة للعمل ومعاناتها اليومية المتعددة، نجدها دون أن تدري تتأثر بهذا ويزيد توترها مما ينعكس على تصرفاتها ويقل صبرها فيرتفع صوتها وتتحول رغما عن انفها الى سماعة مرتفعة الصوت في التربية والنصيحة، وتفاعلها مع طفلها بالضرورة سيؤثر هذا على الطفل ايضا وتستمر المأساة. ولهذا فلابد أن تبدأ بالحلول الاجتماعية لتقليل الضوضاء والأصوات المرتفعة من حياتنا، فلكل فعل رد فعل، وبدون شك أن الضوضاء لها آثارها السلبية على الجهاز السمعي، كما أن الصوت العالي إذا كان مؤثرا في بعض الأحيان في التربية فانه يفقد تأثيره مع الاستمرارية.

وايضا وسط هذه الأصوات المرتفعة نجد أن الأم الحامل صوتها عال لأنه يعكس حالتها النفسية، وما تمر به من ضغوط وهذه الحالة يترجمها الجسم في شكل افراز هرمونات معينة داخله تؤثر على الجنين فيولد عصبيا، وبعد الولادة ومع استمرار الضغوط تتحدث الأم لطفلها بعصبية وبصوت عال وتعطيه اكثر من امر في وقت واحد، تحاول إنجاز المطلوب منها في وقت مناسب فتغير له ملابسه في ثانية، وتطعمه في ثانيتين، ليس لديها وقت لتدليله او محايلته ليتناول طعامه، وليس لديها القدرة لتحكي له حواديت ما قبل النوم.

الآثار السلبية للأصوات الصاخبة على المجتمع

ويسيطر الرقم السريع والصوت العالي على سلوكياتنا وينعكس على تربيتنا لأطفالنا فبفتقدوا الحنان في أهم سنوات عمرهم، ويتحولوا الى كتلة من الشقاوة أو الانطواء الزائد للتعبير بشكل غير سوى عن أنفسهم وسط هذه الضوضاء، وام صوتها عالی، ولعب ايضا صوتها مرتفع، وكلاكسات لا تنتهي بالشارع، يشب الجيل الجديد متوترا عصبيا لديه عدم تقبل أو رضي بقتله القلق، ويشعر بأن هناك سوطا وراءه دائما، فلابد من وقفه مع انفسنا ونقيم سلوكياتنا مع اطفالنا، ولابد أن نعطي أنفسنا فرصة ولو نصف ساعة يوميا صباحا او مساء للاسترخاء والابتعاد عن متطلبات الحياة ومتاعبها وخفض الصوت ولو الوقت قصير من اليوم.

أسباب الضوضاء والصوت المرتفع تتماشى مع سمات العصر، الاستعجال وانجاز مليون شیء في وقت قياسي، وعدم القدرة على الاسترخاء او الاستمتاع بالأشياء الصامته كالطبيعة والوحدة والموسيقى الهادئة، التي كانت موجودة من أربعين سنة كلها من سمات هذا العصر السريع.

فليس لدينا وقت لنعيش حياتنا برتم بطيء ممتع، وكما تعكس السلوكيات الهادئة بصماتها على الأشخاص تقوم السرعة بنفس الشيء، والمشكلة أنه رغم التكنولوجيا والأجهزة المساعدة الحديثة فإن الوقت المتاح قليل على الأشياء المطلوب انجازها، وهكذا فإن الصوت العالي والرقم السريع، ومشغل الموسيقى الصاخب، وسيلة تضفي سرعة على الحركة وتتناسب مع إيقاع العصر.

ولكن هذا ليس مبررا للضوضاء، فالمسألة تحتاج لوقفة خصوصا من وسائل الإعلام، فهي الأكثر انتشارا وتأثيرا على مجتمعنا الذي يعاني من الأمية، كما يحتاج الأمر لتدخل وزارة البيئة، ووضع محاربة التلوث السمعي ضمن بنود عملها وقوانينها.