مفهوم السلام وشروط تحقيقه وشواهد من التاريخ الإسلامي عن العلاقة بين السلام والعدل

مفهوم السلام وشروط تحقيقه وشواهد من التاريخ الإسلامي عن العلاقة بين السلام والعدل

الإسلام دين السلام .. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة الحسنة في إرساء دعائم السلام وإشاعتها سواء في المجتمع الإسلامي أو بين المسلمين وغيرهم من الأمم ، ولكن السلام يجب أن يكون قائما على العدل لا على إغتصاب الخقوق .. والتاريخ الإسلامي سواء في عهد النبوة او فيما تلا ذلك من المراحل والعصور ، حال بالشواهد التي تؤكد أن المسلمين على مستوى الحرب والسياسة، قدموا للبشرية دروسا وتجارب يُهتَدَي بها على مر العصور.

مفهوم السلام

فيما يتعلق بالموقف من السلام يجب ان نفرق بين السلام كفلسفه للحياه والانسانية . ومقصد من مقاصد المجتمع والانسان السوي ، وبين السلام في الصراعات الوطنية والقومية والحضارية. فالسلام فلسفة إنسانية هو أسمى المقاصد والغايات ، في سعادة الإنسان الحقيقية تستحيل إذا لم يتحقق له سلام مع النفس والسلام مع الله، وسلام مع الغير وسلام مع الطبيعة.

أما فيما يتعلق بالسلام في الصراعات الوطنية والقومية والحضارية فهناك سلام عادل ودائم ، هو الذي يستحق أن يطلق عليه مصطلح السلام ، وحتى يكون السلام عادلا لا بد أن يكون مبنيا على إسترداد كامل الحقوق المغتصبة ، لذلك نجد الله سبحانه وتعالى يحدد لنا في القرآن الكريم معايير الموالاة أي المسالمة ، ومعايير .المعاداة أي رفض السلام ، فيقول تعالى قي الآيات 8 و 9 من سورة الممتحنة: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ۚ إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا علىٰ إخراجكم أن تولوهم ۚ ومن يتولهم فأولٰئك هم الظالمون (9)}.

شروط تحقيق السلام

إذن فلا بد وأن يقوم السلام إذا كان سلاما حقيقيا على استرداد كامل الحقوق . فالإسلام يعلمنا أن العدو إذا اغتصب شبرا من أرض المسلمين فإن الموقف يفرض جهاده وليس مسألته ، والجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على كل مسلم ومسلمة . فالرسول عليه الصلاة والسلام جاهد وعاهد ، قاتل ، وسالم لكن كان هناك فرق بين السلام الحقيقي ، وبين المعاهدة التي هي الهدنة بين معركتين ، لقد عاهد الرسول المشركين في الحديبية ، ولكنها لم تكن سلامة دائما ، فلا سلام مع الذين أخرجوه من مكة ، ولما فتح مكة واسترد الحق المغتصب وكلن ذلك الفتح سلامة حقيقية ، وهو ما حدث مع صلاح الدين الأيوبي . فتلك سنة الصراعات الطويلة مثل صراعنا مع الحضارة الغربية الغازية وكيانها الصهيوني المغتصب لأراضي فلسطين.

القدس الشريف والمسجد الأقصى ، لهما خصوصية دينية ، فهو أولى القبلتين ، وثالث الحرمين . بل أن القدس الشريف عندما فتحتها جيوش الإسلام على عهد عمر بن الخطاب ، لم يقبل أهلها عهد الفاتحين بها كما كان حل كل المدن المفتوحة، وإنما طلبوا أن يتسلمها عمر بن الخطاب . إذن فهذه البقعة التي بارك الله فيها وحولها ، هي امانة عمر بن الخطاب للامة الإسلامية وهذه الحقيقة هي التي يجب أن يعيها المفوض العربي . وعلى الأمة العربية أن نعي أن هذه القضية هي قضيتها المركزية والمحورية.

شواهد من التاريخ الإسلامي عن العلاقة بين السلام والعدل

  1. في مفاوضات أو معاهدات السلام كان الإسلام يتخذ العدالة المطلقة أساسا لبدء المعاهدة ، فعندما يكون العدل المطلق هو الأساس الذي ينطلق فيه المفاوض . فإنه يحرز النجاح المطلوب وبسرعة . وفي التاريخ الإسلامي نماذج وشواهد عديدة على ذلك . وكانت اولي هذه المعاهدات في مطلع الإسلام تلك المعاهدة التي أجراها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع سكان يثرب على الهجرة إليها ، وكانت بين الطوائف الثلاثة التي تقطن یثرب .. وهم طائفة المسلمون من المهاجرين والأنصار ، وطائفة سكان يثرب من العرب الذين لم يدخلوا الإسلام بعد ، وطائفة اليهود الذين كانوا من سكان يثرب . وكان الاتجاه في هذه المعاهدة هو العدل .. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل الحرية الدينية مكفولة للجميع. وعند الحاجة الاقتصادية بتعاون الجميع على تجاوز الأزمة ، وحتي لو هوجمت يثرب من الخارج ينقلون الجميع على رد الهجوم ، وفي حالة وقوع مشاكل بين طائفة واخرى يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحكم فيها ، أما إذا كانت داخل الطائفة الواحدة . فإن كبيرها هو الذي يحكم في هذه المشاكل الداخلية للطائفة . وهكذا نرى أن شروط المعاهدة هذه كانت عادلة.
  2. نفس الشيء إذا إنتقلنا الى معاهدة اخرى مثل معاهدة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع بطاركة بيت المقدس ، ففي هذه المعاهدة كانت هناك شروط لصالح الجميع، لذلك تمت بنجاح لانها حفظت حقوق المسلمين والمسيحيين معا.
  3. في سینه ۲۰ هجرية أجرى عمرو بن العاص معاهدة مع المقوقس زعيم مصر من قبل الرومان في ذلك الوقت ، وكانت شروطها عادلة وجاءت في صالح المسلمين والمسيحيين معا.

وغيرهم الكثير من المعاهدات التي ابرمت على امتداد التاريخ الإسلامي ونجحت العدالة لانها كانت الاساس الذي قام عليه السلام الحقيقي ، لطالما حفظت حقوق الأطراف ولم يكن فيها جور وظلم من طرف على آخر.